الطلاق الإسفيري ظاهرة قد تشوش مفهوم الطلاق

- مصدر الخوف في عالم اليوم هو تلاشي الحدود بين ما هو خاص وما هو عام!
في الماضي كان الطلاق ومازال لدى بعض الأسر من الأمور الخاصة التي تتم في حدود أسرتين جمعتهما علاقة النسب والزواج، ولكن برز الطلاق الإسفيري مؤخرا كواحد من منتوجات ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي ليضفي شكلا ومعنى جديدين على الطلاق.
ونحن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الطلاق حدثا اجتماعيا عاما، لا يخص أسرة بعينها، بل تحول في بعض الحالات إلى مادة عامة تتداولها الجماهير خاصة عندما يكون أحد الطرفين أو كلاهما من مشاهير المنصات الرقمية.
هذا التحول يطرح أسئلة اجتماعية عميقة حول مفهوم الخصوصية وحدود الشهرة وتأثير الرأي العام في مسارات العلاقات الإنسانية.
في حالات طلاق المشاهير تتم إعادة تشكيل القصة وفق منطق الصور والفيديوهات المختارة بعناية، ولا يرى المتابعون سوى مقاطع مختارة، وعبارات مبهمة، و رسائل مشحونة بالعاطفة تقدم على أنها القصة الكاملة، بينما الواقع أكثر تعقيدا وتشابكا.
قد تتفاقم المشكلة حين يكون أحد الطرفين أقل شهرة أو خارج دائرة الضوء، إذ يقرر الظهور و يجد أنه قد أضحى فجأة موضوعا للنقاش، ومحور اهتمام، ومثار تأويل، وأحيانا اتهامات وإدانة دون أن يمتلك أدوات التأثير نفسها أو المنصة ذاتها للدفاع عن نفسه.
من منظور اجتماعي تكشف ظاهرة الطلاق الإسفيري هذه عن اختلال واضح في ميزان القوة الرمزية حيث الشهرة هنا لا تمنح فقط الانتشار بل أداة لتوجيه سرد القصة وصياغة التعاطف وتحديد من الضحية و من الجلاد في نظر الجمهور.
أما الطرف قليل الشهرة الذي قرر الظهور في الغالب يقع بين خيارين أحلاهما مر، هما الصمت الذي يتم تفسيره اعترافا
أو الكلام الذي قد ينظر إليه بوصفه بحث عن تعاطف أو شهرة متأخرة.
ويكمن الخطر في مسألة الطلاق الإسفيري في الأثر الاجتماعي الممتد لهذه المشاهد العلنية، حيث أن الانتشار مع عرض الخلافات الزوجية أمام الجمهور يقلل قيمة الخصوصية الأسرية، ويغذي ثقافة الاستهلاك العاطفي، حيث تتحول المعاناة الإنسانية إلى محتوى قابل للمشاركة والتعليق.
وأن وجد الأطفال فسيكونون ضحايا غير مرئيين، إذ تُحفظ تفاصيل الخلافات في الذاكرة الرقمية، وتبقى متاحة لهم ولغيرهم في المستقبل.
كما تساهم ظاهرة الطلاق الإسفيري في إعادة تشكيل وعي المجتمع بالزواج والطلاق.
ويتم استبدال الطلاق كحل أخير بعد استنفاد وسائل الإصلاح بالطلاق الإسفيري الذي يتم تقديمه بوصفه حدثا دراميا خارقا للطبيعة أو حتى فرصة لإعادة التموضع الإعلامي، ويؤدي ذلك بلا شك إلى ضعف الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه الأسرة.
قد لا تكون المشكلة في الطلاق ذاته، بل في الطريقة التي يعرض بها، وحجم استثماره اجتماعيا.
الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من القصص العلنية، بل إلى وعي اجماعي يعيد الاعتبار للحدود، ويفصل بين الحق في التعبير و واجب حماية الكرامة الإنسانية من أن تتحول إلى مشهد مفتوح بلا ضوابط.
من الظلم أن يكون شأنك الخاص جدا شأنا عاما يتناوله الجميع بالنقاش، جاهلهم وعالمهم ومن لم يسمع عنك في الأصل!، ومن غير العادل أن تصبح مأساة أحدهم وسيلة لجذب الإعجابات على وسائل التواصل الاجتماعي!.